أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

109

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال : 158 - هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي * إذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما « 1 » وجمعها غشاء لما حذفت الهاء قلبت الواو همزة ، وقيل : غشاوى مثل أداوى . قال الفارسي : « ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو ، وإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء ، وهو غشى يغشى بدليل قولهم : الغشيان والغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة » انتهى . وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء ، فالياء أصل بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو ، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين : غ ش و ، وغ ش ى ، ثم تصرفوا في إحدى المادتين ، واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى ، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب ، وأيضا فالياء أخف من الواو فكيف يقلبون الأخف للأثقل ؟ . وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ : لَهُمْ خبر مقدم فيتعلق بمحذوف و عَذابٌ مبتدأ مؤخر و عَظِيمٌ صفته ، والخبر هنا جائز التقدم ، لأن للمبتدأ مسوغا وهو وصفه فهو نظير : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ « 2 » من حيث الجواز . والعذاب في الأصل : الاستمرار ثم سمى به كل استمرار ألم وقيل : أصله المنع وهذا هو الظاهر ، ومنه قيل للماء : عذب لأنه يمنع العطش ، والعذاب يمنع من الجريمة . و عَظِيمٌ اسم فاعل من عظم نحو : كريم من كرم ، غير مذهوب به مذهب الزمان ، وأصله أن توصف به الأجرام ، ثم قد توصف به المعاني ، وهل هو والكبير بمعنى واحد ، أو هو فوق الكبير ، لأن العظيم يقابل الحقير ، والكبير يقابل الصغير ، والحقير دون الصغير ؟ قولان . وفعيل : له معان كثيرة ويكون اسما وصفة ، والاسم مفرد وجمع ، والمفرد اسم معنى واسم عين نحو قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب ، والصفة مفرد فعلة كعرى يجمع على عراة ، ومفرد فعلة كسرى يجمع على سراة ، ويكون اسم فاعل من فعل نحو : عظيم من عظم كما تقدم ، ومبالغة في فاعل نحو : عليم من عالم ، وبمعنى أفعل كشميط بمعنى أشمط ، ومفعول كجريح بمعنى مجروح ، ومفعل كسميع بمعنى مسمع ، ومفعل كوليد بمعنى مولد ، ومفاعل كجليس بمعنى مجالس ، ومفتعل كبديع بمعنى مبتدع ، ومتفعل كسعير بمعنى متسعر ، ومستفعل كمكين بمعنى مستمكن ، وفعل كرطيب بمعنى رطب ، وفعل كعجيب بمعنى عجب ، وفعال كصحيح بمعنى صحاح ، وبمعنى الفاعل والمفعول كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ ، وبمعنى الواحد والجمع نحو خليط وجمع فاعل كغريب جمع غارب . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ الآية ، وَمِنَ النَّاسِ خبر مقدم و مَنْ يَقُولُ مبتدأ مؤخر و مِنَ تحتمل أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة أي : الذي يقول أو فريق يقول ، فالجملة على الأول لا محل لها لكونها

--> ( 1 ) البيت للنابغة . انظر ديوانه ( 112 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 2 ) .